الخميس، 8 يوليو 2010

هل سيرضخ المغرب لابتزاز قبائل الصحراء؟

هل سيرضخ المغرب لابتزاز قبائل الصحراء؟

خلف تهديد قبيلة «ازركيين» بسحب الظهائر الملكية من محكمة لاهاي والمطالبة بتطبيق اتفاقية الاستعمار الاسباني لعام 1916 رجة بسبب صدمة المطلبين والتساؤل حول دواعيه: هل هو دعوة للقطع مع الولاء للمغرب والمغاربة؟ أم هي دعوة للاندماج وإشهار الرغبة في الذوبان أكثر في «سيستام»؟رغم مرور 36 سنة على استرجاع الصحراء، لم يفلح المغرب بعد في وضع حد لتلك الصورة النمطية المشكلة عن الصحراوي لدى العديد من المغاربة. فالصحراوي وفق هذه الصورة النمطية إما: مرتزق أو خائن أو عائد أو تائب أو مبتز أو محتج. وهي صورة نمطية محت كل ما تراكم من تمثل عن الصحراوي طيلة قرون من كونه: زاهدا، عالما، متدينا، كريما، قنوعا، صاحب أنفة...الحدث الذي تنشغل به الصالونات والمجالس في الآونة الأخيرة بعد صدور بيان موقع من طرف بعض المنتمين لقبيلة ازركيين بالصحراء، ينهض كقرينة عززت التمثلات التي كونها جزء من مغاربة الشمال بالخصوص حول مغاربة الجنوب، خاصة وأن البيان المذكور تضمن عبارات «صادمة» من قبيل: المطالبة بسحب الظهائر الملكية المودعة بمحكمة لاهاي لدى بثها في الرأي الاستشاري حول الصحراء والمطالبة بتفعيل اتفاقية 1916 المبرمة بين إسبانيا الاستعمارية وبعض أعيان قبيلة ازركيين، مما اعتبره البعض استقواء بالأجنبي ضد المغرب (انظر البيان في الصفحة 14).البيان وفق ما صرح به بعض المنتسبين لقبيلة ازركيين لـ «الوطن الآن» جاء كرد فعل على ما أسموه بإقصائهم من الانتفاع من الحقوق وتهميشهم على حساب مكونات قبلية أخرى (انظر موقفهم في ص: 9) دون أن يرقى إلى اعتباره إشهارا للانفصال.الرجة التي أحدثها هذا الموقف جعلت الآراء تنقسم إلى قسمين: قسم يرى أن البيان الصادر عن ازركيين يصنف في خانة «الابتزاز» الذي دأبت بعض الفعاليات الصحراوية على سلوكه كلما رغبت في الحصول على مكاسب من الدولة» بدعوى أن الصحراء «منطقة حساسة»، وبالتالي يتم استغلال العزف على هذا الوتر لتنزع أكبر عدد ممكن من المنافع وهو السلوك (يضيف أصحاب هذا التيار) الذي ترسخ منذ المرحلة التي كانت فيها قضية الصحراء مجالا مغلوقا ومحتكرا بيد وزارة الداخلية في عهد الوزير السابق إدريس البصري بشكل خلق «سنة» مفادها أن الصحراوي كلما رفع عقيرته بالاحتجاج كلما انبطحت الدولة وأغدقت عليه الامتياز.هذا الطرح يفنده فريق آخر بالقول إن هذه القراءة (أي وصف تحرك ازركيين بأنه ابتزاز) هي قراءة الساذجين أو المنتفعين فعليا من خيرات البلاد، سواء أكانوا في الشمال أو في الجنوب. واستدل هذا التيار بكون اجتماع 70 أو 120 فردا حتى ليتكلموا باسم قبيلة ما، لا ينفي أي شرعية لأي كان بتعميم هذا الحكم على الجميع. أضف إلى ذلك -والكلام لأصحاب هذا الطرح- أن «الإعلام هو الذي ينفخ في الوقائع ويسوق الفواجع بالصحراء بدل تسويق الإشراقات». ودليلهم في ذلك أن شمال المغرب يعج يوميا بحركات الاحتجاج في سيدي سليمان أو الرباط أو صفرو أو خنيفرة أو مكناس أو البيضاء أو بوعرفة بدون أن يسلط الإعلام الأضواء على هذه الاحتجاجات ودون أن نسمع صوتا يصف معطلا يهدد بإحراق نفسه أو معلمة تقتل جنينها ببطء أو مكفوفا يلوح بشرب السم أو فلاحا يضع «منجلا» حول عنقه أو متقاعدا يضع قارورة بوطاغاز في سقف العمارة لنسفها، بأنه «ابتزاز» للدولة من طرف مغاربة الشمال.وبين هذين الموقفين برز تيار ثالث يعتبر بيان قبيلة ازركيين المبدئي ظاهريا والمتطرف لغويا هو «إشهار للولاء أكثر منه انفصال»، بمبرر أن من يتطرف في خطابه وسلوكه يكون هدفه الأساسي الاندماج في «السيستام» وليس الخروج منه. وهنا يطرح هؤلاء «حالة إدريس لشكر القيادي الاتحادي الذي كان أكثر السياسيين تطرفا ضد الحكومة والبقاء في هذه المؤسسة، ولم يترك فرصة تمر دون التلويح والتهديد بدفع حزب الاتحاد الاشتراكي للانسحاب من الحكومة، لكن ما أن نودي عليه ليصبح وزيرا حتى تحول إلى أكثر المدافعين عن حكومة عباس، وبحماسة أكثر من عباس نفسه». تأسيسا على هذا المثال يطمئن هذا التيار إلى أن قبيلة ازركيين من خلال بيانها أرادت أن ترسل «ميساجا» مفاده «سنرفع السقف، و«نطلع للجبل»، لتوسيع هامش الحظوظ في الاندماج»، وهو ما يسميه علماء السياسة بالنداء لإعادة الاندماج un appel de réintegrer le systeme.أيا كان الموقف الذي يتبناه المرء تجاه هذا التحرك، تبقى هناك مناطق بياض متعددة أهمها:1) ما موقف الدولة من هذه التحركات؟2) هل تتلذذ بمثل هذه البيانات الصادرة عن ازركيين؟ أم بالعكس هناك تخوف لديها من احتمال انتقال العدوى لآخرين؟3) هل تريد الدولة الإبقاء على الولاءات للقبيلة أم للوطن؟4) هل مازال للقبيلة وجود مؤسساتي وفعلي بالصحراء؟ وإن كان للقبيلة وجود: أين هي أسسه المادية (التحكم في الفرد والتحكم في التراب والقضاء والمنازعات وغيرها)؟ وهل حلت القبيلة محل الدولة في العفو والسجن والحكم وحماية الحدود؟5) المغرب حصل على استقلاله عام 1956، أي 54 سنة فقط، واسترجع صحراءه عام 1974، أي 35 سنة. أي أن الفرق بين الميزانية الزمنية لاستقلال شمال البلاد واستقلال جنوبها، هو 19 سنة فقط. فلماذا تمكن المغرب من إعدام الولاء للقبيلة وللمؤسسات التقليدية في كافة التراب المحرر من فرنسا وإسبانيا شمالا، بينما عجز عن إعدام هذه المؤسسة التقليدية في التراب المحرر جنوبا؟ هل لكون الصحراء مجالا مغلقا لم يحصل فيها التمازج بين كل الإثنيات والأعراق والفئات؟ أم لأن وتيرة التمدن بالصحراء ظلت بطيئة وبقيت تعتمد (أي المدن بالصحراء) على الريع والوظائف بالمرافق العمومية لم تقو معها خلق بنيات قادرة على خلخلة البنى التقليدية؟6) وإذا عجزت الدولة عن إعدام هذه البنية التقليدية بالصحراء، هل سنستنسخ نموذج «الهوتو» و«التوتسي» لتصبح الصحراء رواندا مكرر bis؟7) بما أن الانتخابات على الأبواب (محطة 2012)، فهل ستكون لوائح الترشيح انطوائية (أي حكرا على سلالة قبلية واحدة بالصحراء)؟ وإن كان الأمر كذلك ما مصير آلاف المغاربة الشماليين الذين اختاروا العيش في الصحراء الذين لا يدينون بالولاء لقبيلة ما؟ هل سيحرمون من حق الترشيح وتقلد المناصب التمثيلية رغم أن عمر أبنائهم هو عمر الصحراء المسترجعة (35 سنة) بمبرر أنهم غير محميين بقبيلة؟ إذا كان الوضع سيكون على تلك الحال في الانتخابات المقبلة، لماذا إذن تستمر الدولة في اقتطاع الضرائب من مغاربة الشمال المستقرين بالجنوب ما داموا مجرد «بدون» (نسبة إلى «البدون» بالخليج)، وما داموا مجرد مضخة لمنح الأصوات لـ «نبلاء» هذه القبيلة أو تلك؟ لا حق لهم في ترؤس جماعة أو الظفر بمقعد بالبرلمان؟
عد الغلاف: عبد الرحيم أريري - منير الكتاوي

التعليقات: 0

Post a Comment